محمد بن جرير الطبري
414
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
والجرحى فيهم ثم إن عبد الرحمن انهزم ، فدخل مدينه همذان ، فأقام بها أياما حتى قوى أصحابه ، واندمل جرحاهم ، ثم امر بالاستعداد ، وزحف إلى طاهر ، فلما رأى طاهر اعلامه وأوائل أصحابه قد طلعوا ، قال لأصحابه : ان عبد الرحمن يريد ان يتراءى لكم ، فإذا قربتم منه قاتلكم ، فان هزمتموه بادر إلى المدينة فدخلها ، وقاتلكم على خندقها ، وامتنع بأبوابها وسورها ، وان هزمكم اتسع لهم المجال عليكم ، وأمكنته سعة المعترك من قتالكم ، وقتل من انهزم ، وولى منكم ، ولكن قفوا من خندقنا وعسكرنا قريبا ، فان تقارب منا قاتلناه ، وان بعد من خندقهم قربنا منه فوقف طاهر مكانه ، وظن عبد الرحمن ان الهيبة بطات به من لقائه والنهود اليه ، فبادر قتاله فاقتتلوا قتالا شديدا ، وصبر طاهر ، وأكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن ، وجعل عبد الرحمن يقول لأصحابه : يا معشر الأبناء ، يا أبناء الملوك والفاف السيوف ، انهم العجم ، وليسوا بأصحاب مطاوله ولا صبر ، فاصبروا لهم فداكم أبى وأمي ! وجعل يمر على رايه رايه ، فيقول : اصبروا ، انما صبرنا ساعة ، هذا أول الصبر والظفر وقاتل بيديه قتالا شديدا ، وحمل حملات منكره ما منها حمله الا وهو يكثر في أصحاب طاهر القتل ، فلا يزول أحد ولا يتزحزح ثم إن رجلا من أصحاب طاهر حمل على أصحاب علم عبد الرحمن فقتله ، وزحمهم أصحاب طاهر زحمه شديده ، فولوهم أكتافهم ، فوضعوا فيهم السيوف ، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا بهم إلى باب مدينه همذان ، فأقام طاهر على باب المدينة محاصرا لهم وله ، فكان عبد الرحمن يخرج في كل يوم فيقاتل على أبواب المدينة ، ويرمى أصحابه بالحجارة من فوق السور ، واشتد بهم الحصار ، وتأذى بهم أهل المدينة ، وتبرموا بالقتال والحرب ، وقطع طاهر عنهم المادة من كل وجه فلما رأى عبد الرحمن ، ورأى أصحابه قد هلكوا وجهدوا ، وتخوف ان يثب به أهل همذان ارسل إلى طاهر فسأله